الغزالي

172

إحياء علوم الدين

قد قلت لما قال لي قائل قد صار لقمان إلى رمسه فأين ما يوصف من طبّه وحذفه في الماء مع جسّه هيهات لا يدفع عن غيره من كان لا يدفع عن نفسه ووجد على قبر آخر مكتوبا يا أيها الناس كان لي أمل قصر بي عن بلوغه الأجل فليتق الله ربه رجل أمكنه في حياته العمل ما أنا وحدي نقلت حيث ترى كل إلى مثله سينتقل فهذه أبيات كتبت على قبور لتقصير سكانها عن الاعتبار قبل الموت ، والبصير هو الذي ينظر إلى قبر غيره فيرى مكانه بين أظهرهم ، فيستعد للَّحوق بهم ، ويعلم أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يلحق بهم . وليتحقق أنه لو عرض عليهم يوم من أيام عمره الذي هو مضيع له لكان ذلك أحب إليهم من الدنيا بحذافيرها ، لأنهم عرفوا قدر الأعمال ، وانكشفت لهم حقائق الأمور . فإنما حسرتهم على يوم من العمر ليتدارك المقصّر به تقصيره فيتخلص من العقاب ، وليستزيد الموفق به رتبته فيتضاعف له الثواب فإنهم إنما عرفوا قدر العمر بعد انقطاعه ، فحسرتهم على ساعة من الحياة ، وأنت قادر على تلك الساعة ، ولعلك تقدر على أمثالها ، ثم أنت مضيع لها . فوطَّن نفسك على التحسر على تضييعها عند خروج الأمر من الاختيار ، إذ لم تأخذ نصيبك من ساعتك على سبيل الابتدار فقد قال بعض الصالحين : رأيت أخا لي في الله فيما يرى النائم ، فقلت يا فلان عشت الحمد لله رب العالمين ، قال لأن أقدر على أن أقولها ، يعنى الحمد لله رب العالمين ، أحب إليّ من الدنيا وما فيها . ثم قال : ألم تر حيث كانوا يدفنوننى ، فإن فلانا قد قام فصلى ركعتين ، لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إليّ من الدنيا وما فيها بيان أقاويلهم عند موت الولد حق على من مات ولده أو قريب من أقاربه ، أن ينزله في تقدمه عليه في الموت منزلة ما لو كانا في سفر ، فسبقه الولد إلى البلد الذي هو مستقره ووطنه ، فإنه لا يعظم عليه تأسفه